ابن عجيبة

405

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

أن يكون لتعدد الموعود لكل واحد له ، أي : فكل مؤمن ومؤمنة له جنات ومساكن أو للجميع ؛ على سبيل التوزيع ، أي : فالجنات والمساكن معدة للجميع ، ثم يقسمونها على حسب سعيهم في الدنيا ، أو إلى تغاير وصفه - أي : الموعود - فكأنه وصفه أولا بأنه جنس ما هو أبهى الأماكن التي يعرفونها ؛ لتميل إليه طبائعهم أول ما يقرع أسماعهم . ثم وصفه بأنه محفوف بطيب العيش ، معرى عن شوائب الكدرات التي لا تخلو عن شئ منها أماكن الدنيا ، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين . ثم وصفه بأنه دار إقامة وثبات في جوار رب العالمين ، لا يعتريهم فيها فناء ولا تغيير . ثم وعدهم بما هو أكبر من ذلك فقال : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ؛ لأنه المبدأ لكل سعادة وكرامة ، والمؤدى إلى نيل الوصول والفوز باللقاء . وعنه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه تعالى يقول لأهل الجنّة : هل رضيتم ؟ فيقولون : ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ، فيقول : أنا أعطيكم أفضل من ذلك . قالوا : وأيّ شئ أفضل من ذلك ؟ قال : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا » « 1 » . ذلِكَ أي : الرضوان ، أو جميع ما تقدم ، هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الذي تستحقر دونه الدنيا وما فيها . ه . الإشارة : قد أعد اللّه لأهل الإيمان الحقيقي ؛ الذين بذلوا مهجهم وأموالهم في مرضاته ، جنات المعارف ، تجرى من تحت أفكارهم أنهار العلوم والحكم ، ومساكن طيبة ، هي : عكوف أرواحهم في الحضرة ، متلذذين بحلاوة الفكرة والنظرة ، في محل المشاهدة والمكالمة ، والمساررة والمناجاة ، ورضوان من اللّه ، الذي هو نعيم الأرواح ، أكبر من كل شيىء ؛ لأن نعيم الأرواح أجلّ وأعظم من نعيم الأشباح ، حتى إن المقربين ليضحكون على أهل اليمين ، حين يرونهم يلعبون مع الولدان والحور ، كما ذكر الغزالي . وأما المقربون فيشاركونهم في ذلك ، ويزيدون عليهم بلذة الشهود . قال القشيري ، عند قوله تعالى : إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ « 2 » : إنه لا تنافى بين اشتغالهم بلذاتهم مع أهليهم وبين شهود مولاهم ، كما أنهم اليوم مستلذون بمعرفته بأي حالة هم فيها ، ولا يقدح اشتغالهم بحظوظهم في معارفهم . انتهى لفظه ، وهو حسن . واللّه تعالى أعلم .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( الرقاق ، باب صفة الجنة والنار ) وفي مواضع أخرى ، ومسلم في ( الجنة ، باب : إحلال الرضوان على أهل الجنة ) من حديث أبي سعيد الخدري - رضى اللّه عنه - . ( 2 ) الآية 55 من سورة « يسن » .